أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

254

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

مساويا للمنعوت ، أو أقل منه تعريفا ، فإن كان قد تقدم قول أحد به فهو سهو » . قلت : أما القول به فقد قيل كما ذكرته عن الزجاج والفارسي وابن الأنباري ، ونص عليه أبو علي في الحجة ، وذكره الواحدي . وقال ابن عطية : « هو أنبل الأقوال » . وذكر مكي الاحتمالات الثلاثة - أعني كونه بدلا أو بيانا أو نعتا . ولكن ما بحثه الحوفي صحيح من حيث الصناعة ، ومن حيث أن الصحيح في ترتيب المعارف ما ذكر من كون الإشارات أعرف من ذي الأداة ، ولكن قد يقال : القائل بكونه نعتا لا يجعله أعرف من ذي الألف واللام . الخامس : جوّز أبو البقاء أن يكون « لِباسُ » مبتدأ ، وخبره محذوف ، أي : ولباس التّقوى ساتر عوراتكم » ، وهذا تقدير لا حاجة إليه . وإسناد الإنزال إلى « للباس » إمّا لأن « أنزل » بمعنى « خلق » ، كقوله : وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ « 1 » و أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ « 2 » ، وإمّا على تسمية أهل العلم التدريج ، وذلك أنه ينزل أسبابه ، وهي الماء الذي هو سبب في نبات القطن والكتان والمرعى الذي تأكله البهائم ذوات الصوف والشعر والوبر ، التي يتخذ منها الملابس ، ونحوه قول الشاعر يصف مطرا : 2193 - أقبل المستنّ من سحابه * أسنمة الآبال في ربابه « 3 » فجعله جائيا بأسنمة الإبل مجازا لما كان سببا في تربيتها ، وقريب منه قول الآخر : 2194 - إذا نزل السّماء بأرض قوم * وعيناه وإن كانوا غضابا « 4 » وقال الزمخشري : « جعل ما في الأرض منزلا من السماء ، لأنه قضي ثمّ وكتب ، ومنه : وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ « 5 » وقال ابن عطية : « . . . وأيضا فخلق اللّه وأفعاله إنما هي من علو في القدر والمنزلة » . وفي قراءة عبد اللّه « وأبيّ ولباس التّقوى خير » بإسقاط « ذلِكَ » ، وهي مقوية للقول بالفصل والبدل وعطف البيان . وقرأ النحوي ولبوس « بالواو ورفع السين . فأما الرفع فعلى ما تقدم في « لِباسُ » . وأما « لبوس » فلم يبينوها ، هل هي بفتح اللام ، فيكون مثل قوله : وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ « 6 » ، أو بضم اللام ، على أنه جمع ، وهو مشكل . وأكثر ما يتخيل له أن يكون جمع « لبس » بكسر اللام ، بمعنى ملبوس . وقوله : ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مبتدأ وخبر ، والإشارة به إلى جميع ما تقدم من إنزال اللباس ، والريش ، ولباس التّقوى . وقيل : بل هو إشارة لأقرب مذكور ، وهو « لِباسُ التَّقْوى » فقط . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 27 إلى 28 ] يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ( 27 ) وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 28 ) قوله : لا يَفْتِنَنَّكُمُ .

--> ( 1 ) سورة الحديد ، آية ( 25 ) . ( 2 ) سورة الزمر ، آية ( 6 ) . ( 3 ) انظر الكامل ( 3 / 91 ) ، مشاهد الإنصاف ( 3 / 433 ) ، البحر ( 4 / 282 ) . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) سورة الزمر ، آية ( 6 ) . ( 6 ) سورة الأنبياء ، آية ( 80 ) .